عبد الملك الثعالبي النيسابوري

234

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

سمعك ، وكما أن من آفات الشراب أنك إذا أقللت منه حاربت شهوتك ولم تقض نهمتك ، وإذا أكثرت منه تعرضت للإثم والعار ، وأبرزت صفحتك للألم والنار ، وكما أن من آفات المماليك أنك إذا بسطتهم أفسدت أدبهم وأذهانهم ، وإذا قبضتهم أفسدت وجوههم وألوانهم ، وكما أن من آفات الأصدقاء أنك إذا استقللت منهم لم تصب حاجتك فيهم ، وإذا استكثرت منهم لزمتك حوائجهم ، وثقلت عليك نوائبهم ، وكسبت الأعداء من الأصدقاء كما تكسب الداء من الغذاء ، وكما أن من آفات المغنين أن الوسط منهم يميت الطرب ، وأن الحاذق منهم ينسي الأدب . وهذه جملة من أخباره تطرق لأشعاره أصله من طبرستان ، ومولده ومنشؤه خوارزم ، وكان يتسم بالطبري ويعرف بالخوارزمي ، ويلقب بالطبرخزمي ، فارق وطنه في ريعان عمره وحداثة سنه ، وهو قوي المعرفة قويم الأدب ، نافذ القريحة حسن الشعر ، ولم يزل يتقلب في البلاد ويدخل كور العراق والشام ، ويأخذ عن العلماء ، ويقتبس من الشعراء ويستفيد من الفضلاء ، حتى تخرج وخرج فرد الدهر في الأدب والشعر ، ولقي سيف الدولة وخدمه واستفاد من يمن حضرته ، ومضى على غلوائه في الاضطراب والاغتراب ، وشرّق بعد أن غرّب ، وورد بخارى وصحب أبا علي البلعمي ، فلم يحمد صحبته وفارقه وهجاه بقوله [ من الخفيف ] : إن ذا البلعمي والعين غين * وهو عار على الزمان وشين إن يكن جاهلا بخفيّ حنين * فهو الخفّ والزمان حنين ووافى نيسابور فاتصل بالأمير أبي نصر أحمد بن علي المكالي . واستكثر من مدحه ، وداخل أبا الحسن القزويني ، وأبا منصور البغوي ، وأبا الحسن الحكمي ، فارتفق بهم وارتفق من الأمير أحمد ومدحه ، ونادم كثير بن أحمد . ثم